سميح دغيم
مقدمة 26
موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي
ويوضح ذلك الاستدلال العقلي . المسألة عنده ليست مسألة توفيقية ، بقدر ما هي مسألة تكاملية ، بمعنى أن العقل وحده لا يمكن أن يبلغ درجة اليقين ما لم يستنر بنور الشرع ، ويخوض غمار الكشف والعرفان . إن الاستدلال البحت لا بدّ منه ، لكنه لا يكفي في إدراك العلوم الحقيقية وهي علوم الآخرة المتعلّقة بمباحث الواجب واليوم الآخر ، عالم ما بعد الموت . إن العقل النظري عاجز عن إدراك هذه الأمور ولا بدّ لنا أن نكمّل هذه المعرفة الناقصة « بالشهود » الذي هو عبارة عن فناء الشاهد في المشهود ، حيث يتحقّق العلم الحقيقي . ويوضح صدر الدين الشيرازي لماذا يجب أن نكمل الحكمة البحثية ، بالحكمة الكشفية فيقول : إن العلوم الحقيقية هي العلوم الموجودة خارج عالم المادة ولها مراتبها ومقاماتها ، وهذا العالم الآخر هو عالم الحقائق العلمية ، حيث عالم العقول ، وعوالم الملائكة المجرّدة ، وحيث تقام الأحديّة والوحدانية ، فكل ذلك مما يتعرّى عن « الحدود » ، فالعلم الحقيقي هو العلم المجرّد من المادّة والبعيد عن الامتزاج بها ، والنفس الإنسانية عندما يتاح لها الترفّع عن عالم المادة تصبح متّصفة بالعلم ، وأول مرتبة للعلم والمعلوم هو في تجرّد النفس عن المادة وبلوغها مقام البرزخ الأعلى . إن أساس حصول العلم ليس في التجرّد عن المادّة فقط ، بل هو في تجرّد النفس عن عالم المادة ودخولها وتحرّكها نحو العقل الفعّال وسيرها نحو العالم الآخر غير المادّي . إن الصورة المعقولة هي الصورة المجرّدة عن المادة ، والعلم الحقيقي هو العلم الذي ليس أساسا في مادة ، وهذا يقتضي أن يكون من عالم آخر تصل إليه النفس في نشأتها الثانية وهي النشأة اللاماديّة والتي تتكشّف لها عبر العرفان والذوق هذه الحقائق اللاماديّة . هذا هو الفضاء المعرفي والفكري الذي يتحرّك من خلاله منهج الشيرازي القائم على تخطّي عالم الزمان والمكان للوصول إلى عالم الحقائق الغيبية وبلوغ المعنى الأصلي لحقائق هذا العالم المتعرّية أساسا عن المادة .